محمد بن جرير الطبري

111

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

هم أهل الدار ؛ وذو الدار ، كقولك : ذو الكلاع ، وذو يزن . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يتأول ذلك على القراءة بالتنوين بِخالِصَةٍ عمل في ذكر الآخرة . وأولى الأقوال بالصواب في ذلك على قراءة من قرأه بالتنوين أن يقال : معناه : إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة ، فعملوا لها في الدنيا ، فأطاعوا الله وراقبوه ؛ وقد يدخل في وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضا الدعاء إلى الله وإلى الدار الآخرة ، لأن ذلك من طاعة الله ، والعمل للدار الآخرة ، غير أن معنى الكلمة ما ذكرت . وأما على قراءة من قرأه بالإضافة ، فأن يقال : معناه : إنا أخلصناهم بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة ؛ فلما لم تذكر " في " أضيفت الذكرى إلى الدار كما قد بينا قبل في معنى قوله : لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وقوله : بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وقوله : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ يقول : وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرة الأخيار ، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلى خلقنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل ، وما أبلوا في طاعة الله ، فتأس بهم ، واسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله ، والنفاذ لبلاغ رسالته . وقد بينا قبل من أخبار إسماعيل واليسع وذا الكفل فيما مضى من كتابنا هذا ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . والكفل في كلام العرب : الحظ والجد . وقوله : هذا ذِكْرٌ يقول تعالى ذكره : هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك ، ذكرناك وإياهم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي هذا ذِكْرٌ قال : القرآن . وقوله : وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ يقول : وإن للمتقين الذين اتقوا الله فخافوه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، لحسن مرجع يرجعون إليه في الآخرة ، ومصير يصيرون إليه . ثم أخبر تعالى ذكره عن ذلك الذي وعده من حسن المآب ما هو ، فقال : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ قال : لحسن منقلب . القول في تأويل قوله تعالى : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ . . . يَدْعُونَ فِيها قوله تعالى ذكره : جَنَّاتِ عَدْنٍ بيان عن حسن المآب ، وترجمة عنه ، ومعناه : بساتين إقامة . وقد بينا معنى ذلك بشواهده ، وذكرنا ما فيه من الاختلاف فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، فال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ قال : سأل عمر كعبا ما عدن ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل . وقوله : مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ يعني : مفتحة لهم أبوابها ؛ وأدخلت الألف واللام في الأبواب بدلا من الإضافة ، كما قيل : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى بمعنى : هي مأواه ، وكما قال الشاعر : ما ولدتكم حية ابنة مالك * سفاحا وما كانت أحاديث كاذب ولكن نرى أقدامنا في نعالكم * وآنفنا بين اللحى والحواجب بمعنى : بين لحاكم وحواجبكم ؛ ولو كانت الأبواب جاءت بالنصب لم يكن لحنا ، وكان نصبه على توجيه